الأربعاء 21 ذو القعدة 1445
من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها
الثلاثاء 31 يناير 2023 2:00 مساءاً
382 مشاهدة
مشاركة

من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها

قال ابن رجب: "من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه منها أم لا؟ هذا على أقسام:

القسم الأول: أن يكون المقدور عليه ليس مقصودا في العبادة، بل هو وسيلة محضة إليها، كتحريك اللسان في القراءة، وإمرار الموسى على الرأس في الحلق والختان، فهذا ليس بواجب لأنه إنما وجب ضرورة القراءة والحلق والقطع، وقد سقط الأصل فسقط ما هو من ضرورته، وأوجبه القاضي في تحريك اللسان خاصة، وهو ضعيف جدا. 

القسم الثاني: ما وجب تبعا لغيره وهو نوعان:

النوع الأول: ما كان وجوبه احتياطا للعبادة ليتحقق حصولها، كغسل المرفقين في الوضوء، فإذا قطعت اليد من المرفق هل يجب غسل رأس المرفق الآخر أم لا؟ على وجهين: أشهرهما عند الحنابلة الوجوب، وهو ظاهر كلام أحمد.

هذا إذا بقي شيء من العبادة كما في وضوء الأقطع، أما إذا لم يبق شيء بالكلية سقط التبع كإمساك جزء من الليل في الصوم فلا يلزم من أبيح له الفطر بالاتفاق.

النوع الثاني: ما وجب تبعا لغيره على وجه التكميل واللواحق مثل رمي الجمار والمبيت بمنى لمن لم يدرك الحج، فالمشهور أنه لا يلزمه لأن ذلك كله من توابع الوقوف بعرفة، فلا يلزم من لم يقف بها، وحكى ابن أبي موسى رواية أخرى بلزومها؛ لأنها عبادات في نفسها مستقلة. [واختار شيخنا رحمه الله أنها تسقط]

ومن أمثلة ذلك: المريض إذا عجز في الصلاة عن وضع وجهه على الأرض وقدر على وضع بقية أعضاء السجود، فإنه لا يلزمه ذلك على الصحيح، لأن السجود على بقية الأعضاء إنما وجب تبعا للسجود على الوجه وتكميلا له. [واختار شيخنا أن عليه وضع ما يقدر عليه من أعضاء السجود]

القسم الثالث: ما هو جزء من العبادة وليس بعبادة في نفسه بانفراده، أو هو غير مأمور به لضرورة، فالأول كصوم بعض اليوم لمن قدر عليه وعجز عن إتمامه فلا يلزمه بغير خلاف، والثاني كعتق بعض الرقبة في الكفارة، فلا يلزم القادر عليه إذا عجز عن التكميل، لأن الشارع قصده تكميل العتق مهما أمكن، ولهذا شرع السراية والسعاية وقال (ليس لله شريك) فلا يشرع عتق بعض الرقبة.

القسم الرابع: ما هو جزء من العبادة وهو عبادة مشروعة في نفسه فيجب فعله عند تعذر فعل الجميع بغير خلاف، وعليه مسائل كثيرة: منها العاجز عن القراءة، يلزمه القيام لأنه وإن كان مقصوده الأعظم القراءة لكنه أيضا مقصود في نفسه وهو عبادة منفردة.

ومنها من عجز عن بعض الفاتحة لزمه الإتيان بالباقي، ومنها من عجز عن بعض غسل الجنابة لزمه الإتيان بما قدر منه لأن تخفيف الجنابة مشروع ولو بغسل أعضاء الوضوء، كما يشرع للجنب إذا أراد النوم أو الوطء أو الأكل ويستبيح به اللبث في المسجد عندنا.

ووقع التردد في مسائل أخر، منها: المحدث إذا وجد ما يكفي بعض أعضائه ففي وجوب استعماله وجهان، ومأخذ من لا يراه واجبا إما أن الحدث الأصغر لا يتبعض رفعه فلا يحصل به مقصود، أو أنه يتبعض لكنه يبطل بالإخلال بالموالاة فلا يبقى له فائدة، أو أن غسل بعض أعضاء المحدث غير مشروع بخلاف غسل بعض أعضاء الجنب كما تقدم.

ومنها إذا قدر على بعض صاع في صدقة الفطر فهل يلزمه إخراجه على روايتين، ومأخذ عدم الوجوب أنه كفارة بالمال فلا يتبعض، كما لو قدر على التكفير بإطعام بعض المساكين والصحيح الوجوب، والفرق بينه وبين الكفارة من وجهين:

أحدهما: أن الكفارة بالمال تسقط إلى بدل هو الصوم بخلاف الفطرة.

والثاني: أن الكفارة لا بد من تكميلها، والمقصود من التكفير بالمال تحصيل إحدى المصالح الثلاث على وجهها وهي العتق والإطعام والكسوة، وبالتلفيق يفوت ذلك فلا تبرأ الذمة من الوجوب إلا بالإتيان بإحدى الخصال بكمالها أو بالصيام، وفي الفطرة لا تبرأ الذمة منها بدون إخراج الموجود." [القواعد لابن رجب 10-12 بتصرف]

واختار شيخنا رحمه الله أنه يخرج بعض الصاع، لأن فيه طعمة للمساكين، أما التلفيق في الكفارة فلا يجوز، واختار أنه لو لفق في الكفارة الطعام والسكوة فالظاهر أنه يصح، لأنه من جنس واحد [انظر تعليق الشيخ على قواعد ابن رجب]

وقال الزركشي:"البعض المقدور عليه هل يجب على أربعة أقسام: 

القسم الأول: ما يجب قطعا كما إذا قدر المصلي على بعض الفاتحة لزمه قطعا، وهل يضيف إليها من الذكر ما يتم به قدر الفاتحة، أو يكررها سبعا؟ قولان ولم يحكوا قولا أنه لا يقرؤها كما في بعض الماء ونظائره؛ لأنا نقول: كل آية من الفاتحة تجب قراءتها بنفسها، فلا يأتي ببدلها مع القدرة عليها.

ولو وجد بعض ما يستر به العورة لزمه قطعا، وكذا لو تعذر عليه غسل بعض أعضاء الوضوء لفواتها، ولو عجز عن الركوع والسجود دون القيام لعلة بظهره تمنعه من الانحناء لزمه القيام خلافا لأبي حنيفة، وكمن انتهى في التكفير إلى الإطعام فقدر على إطعام ثلاثين، فيتعين إطعامهم قطعا، وكما إذا كان محدثا وعلى بدنه نجاسة، ولم يجد من الماء إلا ما يكفي أحدهما يتعين عليه غسل النجاسة قطعا؛ لأنه ليس لها بدل، وللطهارة عن الحدث بدل.

ولو وجد المضطر من الطعام ما يسد به بعض رمقه لزمه تناوله ولم يعدل إلى الميتة، والمحرم إذا كان على بدنه طيب وهو محدث ومعه ما يكفي لغسل أحدهما، فإن أمكنه الوضوء به وغسل الطيب به فعل، وإلا وجب غسل الطيب به؛ لأن الطهارة عن الحدث لها بدل، بخلاف الطيب، ولو كان عليه نجاسة وطيب وهو محرم ولم يجد إلا ما يغسل به أحدهما غسل النجاسة لغلظها.

القسم الثاني: ما يجب على الأصح، كما لو وجد بعض ما يتطهر به من ماء أو تراب هذا، إذا قدر على البدل وهو التراب، فإن فقده استعمل الميسور قطعا لعدم البدل، وقيل يطرد القولان، ولو كان بجسده جراحات تمنعه من استيعاب الماء فالمذهب غسل الصحيح، والتيمم عن الجريح.

ومثله ما لو قطع من المرفق، فيجب عليه غسل رأس العظم العضد على المشهور، وكما لو كان على بدنه نجاسات، ووجد ما يغسل بعضها، فإنه يجب على المذهب، وقيل لا؛ لأنه لا يسقط فرض الصلاة.

ولو وجد بعض الصاع من الفطرة لزمه إخراجه في الأصح، ولو ملك مائة نقدا ومائة مؤجلة على مليء، وقلنا: لا يجب إخراج الجميع في الحال، فهل يلزمه إخراج حصة النقد وجهان: أحدهما لا لنقصان هذا القدر عن النصاب، وأصحهما يجب؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.

ومن لم يجد السترة صلى قائما على الأصح، ويتم الركوع والسجود، فإن المقدور عليه لا يتم بالمعجوز عنه، ولا يجب القضاء.

القسم الثالث: ما لا يجب قطعا، كما إذا وجد في الكفارة المرتبة بعض الرقبة، لا يجب قطعا؛ لأن الشرع قصده تكميل العتق ما أمكن؛ ولهذا شرعت السراية، وينتقل للبدل؛ ولأن إيجاب بعض الرقبة مع صيام الشهرين جمع بين البدل والمبدل منه، وصيام شهر مع عتق بعض الرقبة فيه تبعيض الكفارة.

القسم الرابع: ما لا يجب على الأصح، كما لو وجد المحدث الفاقد للماء ثلجا، أو بردا وتعذرت إذابته، فلا يجب مسح الرأس به على المذهب؛ لأن الترتيب واجب، ولا يمكن استعمال هذا في الرأس قبل التيميم عن الوجه واليدين، وقيل: فيه القولان فيما لو قدر على بعض الماء، وقواه النووي من حيث الدليل.

ومنها الواجب في السجود التنكيس، فلو تعذر لمرض وغيره فهل يجب وضع وسادة ليضع الجبهة على شيء منها؟ وجهان: أحدهما يجب لأن الساجد يلزمه هيئة التنكيس، ووضع الجبهة، فإذا تعذر أحد الأمرين أتى بالثاني محافظة على الواجب بقدر الإمكان، وأصحهما: لا يجب؛ لأن هيئة السجود فاتت.

ومنها الأخرس يقف في الصلاة ساكتا، وقيل: يحرك لسانه؛ لأنه المقدور عليه.

وذكر الإمام في باب زكاة الفطر ضابطا لبعض هذه الصور، فقال: كل أصل ذي بدل فالقدرة على بعض الأصل، لا حكم لها وسبيل القادر على البعض كسبيل العاجز عن الكل، إلا في القادر على بعض الماء، أو القادر على إطعام بعض المساكين إذا انتهى الأمر إلى الإطعام، وإن كان لا بدل له كالفطرة لزمه الميسور منهما وكستر العورة، إذا وجد بعض الساتر يجب المقدور منه، وكذلك إذا انتقضت الطهارة بانتقاض بعض المحل، فالوجه القطع بالإتيان بالمقدور عليه يعني، كما لو قطع بعض يده يجب عليه غسل الباقي، قال: وقد ذكر بعض الأصحاب فيه خلافا بعيدا، وهو قريب من التردد فيما نحن فيه يعني من الفطرة.

قلت: ويرد على الحصر فيما استثناه من صورة القادر على بعض الماء، ما سبق من القادر على بعض الفاتحة يجب، وإن كان لها بدل عند العجز عنها وغير ذلك.

والأحسن في الضبط أن يقال: إن كان المقدور عليه ليس هو مقصودا من العبادة، بل هو وسيلة لم يجب قطعا كإمرار موسى على الرأس في الحلق والختان؛ لأنه إنما وجب لقصد الحلق والقطع، وقد سقط المقصود فسقط الوسيلة، وإنما جرى الخلاف في تحريك اللسان من الأخرس.

وإن كان مقصودا نظر، فإن كان لا بد له وجب كستر العورة وغسل النجاسة، وإن كان له بدل ينظر، فإن كان اسم المأمور به يصدق على بعضه وجب أيضا كالماء؛ لأن القليل منه يطلق عليه اسم الماء، وإن كان لا يصدق لم يجب كبعض الرقبة، فإنه لا يسمى رقبة وأيضا فإن كان على التراخي ولا يخاف فواته لم يجب كالكفارة، وإلا وجب." [المنثور في القواعد 1/227-233 بتصرف يسير]