الإثنين 6 شوال 1445
هل النهي يقتضي الفساد؟
الثلاثاء 31 يناير 2023 2:00 مساءاً
370 مشاهدة
مشاركة

هل النهي يقتضي الفساد؟ أو ما حكم العبادات الواقعة على وجه محرم؟

اختلف العلماء في تحديد محل الخلاف؛ على طرق:

الطريق الأول: أطلق الخلاف ولم يفصل بين ما نهي عن لعينه أو لغيره أو لوصفه، أو بين العبادات والمعاملات.

الطريق الثاني: قيد محل الخلاف ببعض الصور؛ فخصص الخلاف بالعقود المنهي عنها، كالإمام الغزالي في المستصفى، والآمدي في الإحكام.

الطريق الثالث: قيد الخلاف على وجه آخر؛ فقسم المنهي عنه إلى ما نهي عنه لعينه، وإلى ما نهي عنه لوصفه، كابن الحاجب؛ حيث حكى في الأول خمسة مذاهب، وفي الثاني ثلاثة مذاهب.

وقد قسمها الحافظ ابن رجب إلى أقسام:

الأول: أن يكون التحريم عائدا إلى ذات العبادة على وجه يختص بها، فتبطل العبادة، مثاله: صوم يوم العيد، وصوم أيام التشريق، والصلاة في أوقات النهي، والصلاة في مواضع النهي، ومثال في باب المعاملات: البيع بعد نداء الجمعة الثاني ممن تلزمه الصلاة على وجه لا يباح، ونكاح الشغار، للنهي عنه، والنكاح بغير ولي، وبطلان بيع الكلب.

الثاني: أن يكون التحريم عائدا إلى شرط العبادة على وجه يختص بها، فتبطل العبادة، مثاله: الصلاة بالنجاسة، والوضوء بماء نجس، والصلاة كاشفا عورته، لأن كشف العورة خارج الصلاة قد يباح للحاجة، فكان النهي عائدا إلى شرط العبادة على وجه يختص بها، واستقبال بيت المقدس في الصلاة، ومثاله في المعاملات بيع المجهول.

الثالث: أن يكون التحريم عائدا إلى شرط العبادة لا على وجه يختص بها، ففي بطلان العبادة روايتان أشهرها عدم البطلان وهو الصحيح، مثاله: الوضوء بالماء المغصوب، والصلاة في الثوب المغصوب وفي الدار المغصوبة، والصلاة في ثوب حرير.

وعلى رواية عدم الصحة، هل المبطل ارتكاب المنهي عنه في شرط العبادة، أم ترك الإتيان بالشرط المأمور به؟ للأصحاب فيه مأخذان ينبني عليهما لو لم يجد إلا ثوبا مغصوبا فصلى به، فإن عللنا بارتكاب النهي لم تصح صلاته، وإن عللنا بترك المأمور صحت لأنه غير واجد لسترة يمر بها.

الرابع: أن يكون النهي عائدا إلى أمر خارج العبادة، أي ما ليس بشرط فيها، فهنا لا تبطل العبادة، مثاله: الوضوء من إناء محرم، والصلاة في عمامة مغصوبة أو عمامة من حرير، وصلاته لابسا خاتم ذهب، ومثاله في المعاملات تلقي الركبان.

قال ابن رجب: "وأما الحج بالمال المغصوب ففي صحته روايتان، فقيل لأن المال شرط لوجوبه وشرط الوجوب كشرط الصحة، ورجح ابن عقيل الصحة وجعله من القسم الرابع، ومنع كون المال شرطا لوجوبه؛ لأنه يجب على القريب بغير مال وليس بشيء، فإنه شرط في حق البعيد خاصة، كما أن المحرم شرط في حق المرأة دون الرجل."، والصحيح أن حجه صحيح لأنه أمر خارج العبادة، أو هو عائد على شرطها على وجه لا يختص بها.

ومقتضى التقسيم السابق أن تكون الصلاة في الثياب التي فيها صور صحيحة، لأن النهي عن لبس الثوب الذي فيه تصاوير ليس مختصا بالصلاة بل هو محرم في الصلاة وفي غيرها، وعلى هذا تكون المسألة من القسم الثالث، وقد سألت شيخنا ابن عثيمين -رحمه الله- عن هذه المسألة فأجاب بأن جمهور العلماء على بطلان صلاته أما عنده فهو يرى عدم البطلان.

أما قول النبي -صلى الله عليه وسلم- (لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافع الأخبثان)، فظاهره أنه داخل في القسم الأول، وهو محمول على أنه إذا كانت صلاته لا يقيم فيها الطمأنينة بسبب ذلك، أما إذا كان يأتي بأركانها وواجباتها، فيكون النفي في الحديث للكمال؛ لأن الصلاة موجودة والصحة ثابتة، لأننا نعلم أن هذا الرجل أتى بالصلاة بجميع الشروط والأركان والواجبات، لكن لما كانت حضرة الطعام تشغله عن صلاته كانت صلاته غير كاملة، ولا نقول: إنه لنفي الصحة؛ لأن نفي الصحة يكون لفوات شرط أو لوجود مانع، وهذا غاية ما فيه أنه ينشغل القلب به، وانشغال القلب لا يبطل الصلاة، بدليل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر أن الشيطان يأتي الإنسان في صلاته ويقول (اذكر كذا، اذكر كذا حتى لا يدري ما صلَّى) فدل على أن انشغال الفكر لا يوجب بطلان الصلاة.